الشيخ داود الأنطاكي
174
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
البحث الثاني : في أول اجزاء التخلق وهو المني وكيفية صحته إلى أن يكون صالحاً للانعقاد ، وقد وقع الاجماع على أنه يكون من خالص الغذاء وأصح ما فيه ، سواء كان الغذاء جيداً أم لا ، وانه ينفصل 0 من هضم العروق بعد اثنتين وسبعين ساعة من تناول الغذاء المعتدل المزاج ، فعليه تكون صحته بحسب صحة الغذاء ، واستدل على كونه مما ذكر انحلال قوى البدن بخروجه وإن قل فوق انحلالها بغيره من أنواع الاستفراغ وإن كثر . وإن احتباسه موجب للقوة ما لم يفسد فيوجب امراضاً رديئة في الغاية لتعلقه برأس الأعضاء . وقد اختلفوا في شأنه ، فقالت طائفة : بأنه مختلف الاجزاء مشتبه المزاج ؛ لخروجه من كل عضو فيكون فيه اللحم والغشاء وغيرهما والا اتحدت اجزاء البدن والتذ واستراح بعض الأعضاء دون بعض ، وهو باطل ؛ ولأن التشابه في الأولاد واقع فلو لم يكن المني كما ذكر لم يقع ، خصوصاً ونحن نشاهد الأمراض وراثة وولد الضعيف ضعيفاً والقوي قوياً وكل لما ذكر . وعكس قوم فقالوا : هو مختلف المزاج مشتبه الاجزاء ؛ لأنّا نجد الشبه في المولود واقعاً في الشعر والظفر مع أنه لم ينفصل منها شيء . وهذا مردود بعدم حصر الشبه في ذلك ، فإنه قد يحدث من الوهم كما صرح به الشيخ فإنه قال : وكلما تخيلته الواهمة حال الانزال اتصف به الولد ، بل ما تخيلته المرأة زمن التخلق ؛ ولأنه يجوز أن ينفصل من الجزء الذي سيكون شعراً أو ظفراً شيء في المني ، قالوا ؛ ولأن الماء لو اختلفت اجزاؤه لم يقع شبه في الأعضاء المركبة كالعين ، مع أنه واقع ؛ لأن المركبات لا ترسل شيئاً . ويمكن رده : بأن ما ترسله بسائطها كاف . قالوا : ومتى صح اختلاف الاجزاء وجب أن لا ينعقد واحد اصلًا ، بل لا بد من اثنين واحد من مني المرأة وآخر من مني الرجل . ويمكن رده : بأنهما إذا امتزجا تأَلفّ كل جزء